الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

35

هداية المسترشدين

وفيه : أن المناقضة بينهما قد تكون من جهة أن تعلق الأمر بالطبيعة يفيد مطلوبية الفعل في كل آن من الآنات مع عدم فعله في الأول ، كما هو قضية الإطلاق فيرجع إلى العموم لكن على سبيل التخيير بين جزئياته ، وهو لا يجامع الجزئية المستفادة من النهي ، ومع الغض عن ذلك فقد يكون مبنى المناقضة على انصراف إطلاق النهي إلى الدوام لا وضعه له ، فإن كان المقصود من الدليل المذكور إفادة الوضع له لم يتم ذلك . ودعوى أصالة كون الدلالة تضمنية عند الدوران بينها وبين الالتزامية وقد عرفت وهنها . وهناك حجج أخرى للقول المذكور موهونة جدا فهي بالإعراض عنها أحرى . قوله : * ( بأنه لو كان للدوام لما انفك عنه . . . الخ ) * . قد يورد عليه : بأن الكلام حينئذ في الدلالة اللفظية ، والتخلف جائز ، واقع بالنسبة إليها ، كيف ! وباب المجاز واسع حتى قيل بأغلبيته على الحقيقة ، فالملازمة المدعاة فاسدة جدا . ويمكن دفعه تارة بأن الكلام هنا في الملازمة العقلية - حسب ما مر - ويحتمله الدليل المتقدم في كلامه ، بناء على أن ترك الطبيعة لا يتحقق إلا بترك جميع أفرادها ، فيقال لو تم ذلك لجرى في جميع النواهي وليس كذلك . وأخرى بأن التخلف في الدلالات اللفظية إنما يكون بالنسبة إلى الإرادة دون نفس الدلالة ، والمفروض حصول الثاني فيما ذكره من المثال ، إذ لا يدل نهي الحائض عن الصلاة والصيام على المنع منهما على سبيل الدوام ، فذلك وجهان في تقرير الاحتجاج المذكور . ويمكن الإيراد عليهما : بأن أقصى ما يلزم منها عدم وضع الصيغة لخصوص الدوام وعدم استلزام مدلول الصيغة للدوام مطلقا ، حيث حصل الانفكاك بينهما ، ولا يلزم منهما عدم وضع الصيغة لما يستلزم الدوام حال الإطلاق ، وإن أمكن الانفكاك بينهما بعد قيام القرينة متصلة أو منفصلة على عدم إرادة المطلق ، بل هي حينئذ قد تفيد الدوام أيضا على حسب القيد .